أبي منصور الماتريدي
115
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
بحسنات ، فهو حالة الانتفاع به كما قال عزّ وجل : إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [ الفرقان : 70 ] . وقوله : فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ . أما في الدنيا : فذهاب التعظيم والإجلال والثناء الحسن الذي يستوجب « 1 » بالخير والدين عند الناس ، فإذا ارتد عن الإسلام حبط ذلك كله وصار على أعين الناس أخف من الكلب والخنزير . وأما حبطه في الآخرة : فذهاب ثواب أعماله ، وكأن ما يستوجب المرء من الثواب إنما يستوجب بما يأتي من الأعمال ويحضرها عند اللّه ، لا بالعمل نفسه ؛ ألا ترى إلى قوله : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [ الأنعام : 160 ] ، وقوله : وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى [ طه : 75 - 76 ] ، دل هذا أن الثواب إنما يستوجب بإحضاره وإتيانه عند اللّه ، لا بالعمل نفسه . واللّه أعلم . وقوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا . تضمن قوله : آمَنُوا الإيمان بالله ، والإيمان بجميع ما جاء به الرسل من الرسالات وغيرها . وقوله : وَالَّذِينَ هاجَرُوا . الهجرة تكون على وجهين : أحدهما : الهجرة المعروفة التي كانت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة ، وهو كقوله : وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [ النساء : 100 ] . ثم روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « لا هجرة بعد فتح مكة » « 2 » .
--> ( 1 ) في ب : لا يستوجب . ( 2 ) وأما حديث يعلى بن أمية فأخرجه النسائي ( 7 / 141 ) في البيعة ، باب البيعة على الجهاد ( 7 / 145 ) في ذكر الاختلاف في انقطاع الهجرة ، وأحمد ( 4 / 323 ، 324 ) ، والطبراني في الكبير ( 22 / 257 ) ( 664 ، 665 ) ، والبيهقي ( 9 / 16 ) ، من طريق ابن شهاب عن عمرو بن عبد الرحمن بن أمية أن أباه أخبره أن يعلى قال : جئت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأبى يوم الفتح ، فقلت : يا رسول اللّه ، بايع أبى على الهجرة . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أبايعه على الجهاد ، وقد انقطعت الهجرة » . وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه أحمد ( 3 / 22 ) ، ( 5 / 187 ) ، والطيالسي ( 601 ، 967 ، 2205 ) ، والبيهقي في دلائل النبوة ( 5 / 109 ) ، عن أبي البختري الطائي عن أبي سعيد الخدري قال : لما نزلت هذه السورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ . . . الآية -